طاقم الرّوضة والبستان > عن إعادة كتابة الحكاية الشعبيّة: في أعقاب تجربة “الحطّاب”
?
> مايو 2020

عن إعادة كتابة الحكاية الشعبيّة: في أعقاب تجربة “الحطّاب”

 

إياد برغوثي

 

لا توجد صيغة أصليّة للحكاية الشعبيّة، وهذه حقيقة مريحة تفسح المجال للتدخّل من أجل حلّ المعضلة التي نعيشها، أو يعيشها بعضنا على الأقل، إزاء الحكايات الشعبيّة: إنّها عالم أدبيّ ساحر وشائق يشكّل مخزنًا لإرث وطنيّ وإنسانيّ يجدر حفظه، لكنّها، بالوقت ذاته، مشبعة، في الكثير من الأحيان، بعناصر لا تناسب قيم عصرنا، خصوصًا من منظور اجتماعيّ وتربويّ، فنجد فيها العنف والشوفينيّة والأفكار النمطيّة وحتّى العنصريّة (قصة جبينة، مثلًا).

 

مثلًا، في نهاية حكاية “الحطّاب”، التي قمت بإعادة كتابتها لنشرها ضمن مشروع “مكتبة الفانوس”، يقوم “الجنّ”، بحسب إحدى الصيغ الأساسيّة التي اعتمدت عليها، بإعطاء الحطّاب عصًا سحريّة، وعندما يقول لها “يا عصاتي هفّي هفّي وع جناب فلانة لا تخفّي” تقوم بضرب جارتيه اللّتين لم تعيدا له الطّنجرة والطاحونة السحريّتين، اللّتين أهداهما له الجنّ تعويضًا عن الفولة التي وقعت في بئرهم، فتضرب العصا الجارتين وتضطرهما إلى أن تعيدا له ما سرقتا.

 

وقفت حائرًا أمام هذا المشهد المحوريّ من الحكاية: ففي حال أبقيته كما هو، ستحفّز الحكاية بالضرورة، بشكل واعٍ أو غير واعٍ، الأطفال على العنف. ستعطي العنف شرعيّة، وستصوّره أنّه الحلّ الأمثل للتّحديات أو الإحباطات المختلفة، وستكون جملة النداء المسجوعة “هفّي…خفّي” بمثابة دسّ السّمّ بالعسل، إذ يبدو العنف، لطرافتها، أمرًا طريفًا ومسليًا. كذلك، ستكرّس الحكاية، إن أبقيت النهاية كما هي، فكرة سلبيّة عن النساء اللّواتي يمثّلن الخداع والسرقة والكذب وعدم الأمانة، واستحققن عنف العصا التي هفّت عليهنّ.  احترتُ هل أغيّر في الحكايّة أم أُبقيها “كما هي”؟

كما قلت في البداية، أراحتني حقيقة أنّه لا يوجد صيغة “كما هي” للحكاية الشعبيّة، وأنّنا نجد لذات الحكاية، خصوصًا لتلك التي اشتهرت وأصبحت “مطلوبة” عددًا لا ينتهي من الصياغات، في الثقافة ذاتها وفي ثقافات أخرى.  لطالما جرت إعادة كتابة حكاياتٍ شعبيّة وفق قيم ورؤى واعتبارات اجتماعيّة وفكريّة وتربويّة وفنيّة، ولاحقًا حتّى بدوافع تجاريّة، مثلما فعلت “ديزني” بالحكايات الشعبيّة التي حوّلتها إلى أفلام ومسلسلات تجاريّة. وتمدّنا الدّراسات المقارنة في مجال أدب الأطفال واليافعين بأبحاث كثيرة حول التباين بين مختلف هذه الصيغ، وتشكّل حقلًا معرفيًا وبحثيًا ممتعًا عظيم الإثارة.

 

إلى جانب كلّ ذلك، فالحكايات الشعبيّة هي بالأساس حكايات مرويّة شفويًا تناقلتها الذاكرة، وهي لذلك غير محكومة ولا مقيّدة بصيغة نصيّة محدّدة ومقفلة، بل هي بطبيعتها مرنة وطيّعة ومفتوحة على لحظة سردها. والأمر ينطبق طبعًا على الحكايات الشعبيّة الفلسطينيّة التي نجد لها صيغًا مختلفة بحسب مكان وزمان وأسلوب توثيقها أو سياق إعادة كتابتها، كما أنّنا نجد لحكاياتنا قرائن في التراث الشعبيّ العربيّ وفي التراث العالميّ.

 

بالنّسبة لحكاية “الحطّاب”، فقد كانت الصيغة الأولى التي اعتمدتها هي الصيغة التي وثّقها الكتاب الموسوعيّ “قول يا طير: نصوص ودراسة في الحكاية الشعبيّة الفلسطينيّة”، للباحثَيْن: شريف كناعنة وإبراهيم مهوّي (مؤسّسة الدراسات الفلسطينيّة 2001)، حيث كانت الصيغة عبارة عن نقل حرفيّ للحكاية التي سردتها سيّدة اسمها فاطمة، من عرّابة البطّوف باللهجة المحكيّة. أمّا الصيغة الثانية من الحكاية فكانت في كتاب آخر للمؤلفَيْن نفسيهما ومن إصدار المؤسسة ذاتها ويحمل نفس الاسم، لكنّ الفرق بينهما أنّ الصيغة الثانية كانت باللغة الفصيحة وبأسلوب أدبيّ مختلف، ومرفقة برسوم. سمح لي وجود هذه الفجوة اللغويّة والأسلوبيّة بين هذين النصيّن الشقيقيّن والموثوقين، والصيغ الكثيرة الأخرى التي قرأتها وسمعتها عن “الحطّاب”، أن أشقّ طريقي بينها وأبدأ بالبحث عن صيغة جديدة للحكاية، أحافظ من خلالها على روح هذه الحكاية الشعبيّة وهويّتها وعالمها وبنيتها وجمالياتها والمعرفة التراثيّة التي تنقلها للأطفال من جهة، وأعالج ما يكمن فيها كلّها من إشكاليات اجتماعيّة وتربويّة حقيقيّة، كالّتي ذكرتها سابقًا، من جهة أخرى.

 

عودة لمعضلة النهاية، والتي أقدّمها كنموذج على المعالجة الأدبيّة والتربويّة لسيرورة واستراتيجيّة إعادة الكتابة والصّياغة التي قمنا بها. تطلّب الأمر أن نستبدل بعض العناصر والشّخصيات على طول مجرى الحكاية، فبدل أن تكون الجارتان “السّارقتان” امرأتين، اخترنا أن يكون  جارة وجار، فأدخلنا أم فلاح أبأ ياسين، ليكون هناك “توازن جندريّ” يلغي الثنائيّة الضديّة. وبدل أن يعطي “الجن”، الذين أسميناهم “سكّان البئر العجيبين”، العصا للحطّاب لكي يسترد الطّنجرة والطّاحونة السحريتين قالوا له:

“…دبّر حالك بحالك”.

“شو أعمل؟ كيف بدي آكل؟”

“مثل ما كنت تعمل دايمًا”، أجابه سكّان البئر العجيبون واختفوا.

ما قمنا به في هذه الصّيغة هو عملية تحديث في عمق المقولة، أي بكلمات ماكس فيبر قمنا ب”نزع السّحر عن العالم”، وكذلك بتعزيز قيمة العمل كقيمة حداثيّة وكموضوعة أساسيّة لهذه لحكاية بمختلف صيغها.

 

في النهاية، أكمل الحطّاب طريقه للجبل، جمع الحطب واشترى بالمال الذي حصل عليه طعامًا يكفيه. وفي المساء، أعادت له جارته وجاره الطنجرة والطاحونة السحريّتين، بعد أن انقلب سحرها عليهما. لكنّ، الحطّاب، مع ذلك، خرج إلى العمل في اليوم التالي مبكرًا فرحًا بكمشة من الفول الذي يحبّ.

 

إذًا، بدل أن نقول للطفل إنّ هناك من سيعطيك دومًا ما تريد دون مقابل إن بكيت وألححت، وإنّ العنف هو الحلّ، أو نهدّده إن سرق فسيكون الضرب عقابه ومصيره، شاركناه بحكمة الاعتماد على النفس، إذ لا عصًا سحريّة تعيد لنا حقّنا. مع ذلك، يبقى هذا النصّ أيضًا نصًا مفتوحًا سيُكمل الأطفال والمربّون والمربّيات والآباء والأمهات كتابته بقراءتهم له، وسيعيدون صياغته بفهمهم ومعايشتهم له. فهذه الصيغة هي صيغة معاصرة مقترحة للحكاية، لا تستبدل أي صيغة أخرى. صحيح أنّه لا توجد صيغة أصليّة للحكاية الشعبيّة، إلّا أنّ الحكاية، في النهاية، تصير مجموع صِيَغها.

 

 

Print Share