الطاقم التربويّ > أحيانًا تحقّق النبوءة ذاتها – فماذا عن توقّعاتنا من أطفالنا؟
?
> أبريل 2019

أحيانًا تحقّق النبوءة ذاتها – فماذا عن توقّعاتنا من أطفالنا؟

 مقالة حول كتاب “حلم على رِجل واحدة

 

“حلم على رِجل واحدة” هو قصّة حقيقية تتحدّث عن ايمانويل الفتى الذي نجح في تحقيق حلمه، رغم كلّ التوقّعات بأنه سيفشل كونه وُلد برِجل واحدة.

بإمكاننا أن نأخذ هذه القصة لأماكن وتفسيرات مختلفة، واخترت أن أوضّح من خلالها أهمية توقّعاتنا من الطفل لما لها من تأثير فاصل أحيانًا على حياته.

منذ ولادته يظنّ الطفل أنه جزء غير منفصل عن بيئته، ويحتاج بعض الوقت حتى يبدأ بإدراك كونه كائنًا مستقلًّا، يعيش بين ”الآخرين“. منذ هذه اللحظة يبدأ مفهوم الذات بالتبلور لديه، ويتطوّر ليكتسب صفاته الايجابيّة والسلبيّة وفقًا لتجاربه مع الآخرين وردود فعلهم. قد يرث أطفالنا لون أعيننا أو درجة ذكائنا، لكنّ البيئة العائليّة والاجتماعيّة والطّبيعيّة لها نصيب كبير في تطوير صفاتٍ ومفاهيم أخرى، أهمّها “مفهوم الذّات”. يشكّل هذا المفهوم الهامّ  حجر أساس لعديد من المفاهيم والقدرات المستقبليّة، وهو مفهوم لا يُورَّث بل يُكتسَب من البيئة، ومن التّفاعلات مع الآخرين، وخاصّة الأشخاص المهمّين بالنسبة للطفل.

في طفولته يكون مفهوم الطفل لذاته مرنًا وقابلًا للصّقل والتغيير، لذا من الهامّ جدًّا إكساب الطّفل نظرة ايجابيّة عن ذاته، وتقويم سلوكيّاته بصورة لا تمسّ بتصوّره لذاته. وللمدرسة في هذا الشأن تأثير كبير لأن بين يديّ المربّين قوّة كبيرة لتأكيد التصوّر الإيجابي أو المسّ فيه. الطّفل المؤمن بقدراته قد يتضرّر من عدم إيمان معلّمته أو معلّمه بوجود هذه القدرات، والعكس أيضا صحيح.

أوّل دراسة تجريبية أثبتت العلاقة بين توقّعات المعلّمين من تلاميذهم وأثرها على أدائهم، كان روزنتال وجاكوبسن (1968)، في دراسة بعنوان “بيجماليون في الصف” (Pygmalion in the Classroom). من خلال الدراسة أوضح روزنتال وجاكوبسن أنّ توقّعات المدرّسين بشأن القدرات الفكرية للتلاميذ يمكن أن تكون كنبوءة تربوية تحقّق ذاتها، وأطلق على هذه الظاهرة الاسم “أثر بيجماليون”، نسبة لقصة “بيجماليون” (Pygmalion) في الميثولوجيا الإغريقيّة. وتحكي القصة أن ملك قبرص والنّحات المسمّى بيجماليون، قد نحت تمثال امرأة سمّاها Galatea. ولشدّة جمال تمثال المرأة وقع بجمليون في حبّها، فتوسّل للإلهة أفروديت بأن تبعث فيها الحياة، فحقّقت أفروديت حلمه وحوّلت التمثال إلى امرأة حقيقية.

يفسّر مصطلح “نبوءة تحقّق ذاتها” في العلوم الاجتماعيّة كيف يتأثّر السّلوك الاجتماعي والشّخصي بالتّوقعات المتبادلة بين الأفراد والجماعات. فمن شأن توقّعات الآخرين الإيجابية من الفرد أن تُشَكِّل دافعًا قويًّا لتحسين أدائه وتحقيق أهدافه. ولكن علم النفس يشير أيضًا إلى الأثر العكسي، إذ من الممكن أن تؤدّي التوقّعات السلبيّة من الأفراد إلى انخفاض في مستوى أدائهم.

هذا الأمر بالذات، يمكنه أن يُظهر لنا القوة الخاصّة والمتميّزة التي كانت لإيمانويل، والتي مكّنته من تحقيق حلمه رغم التوقّعات السلبيّة منه. ولا يظهر جليًّا في القصة من أين استمدّ ايمانويل هذا الإيمان بذاته، ولكن لا بدّ أنه كان هناك من ترك في نفسه أثر بيجماليون، وآمن إيمانًا حقيقيًّا بقدراته على تحدّي توقّعات الفشل، مما ساعده في تحقيق ذاته.

كلّ فرد فينا يحتاج إلى من يؤمن به، رغم كل صعوباته ورغم أن احتمالات النجاح لا تكون دائمًا واضحة في الأفق. آمنوا بكل القدرات الايجابيّة لأطفالكم وتلاميذكم، وحاولوا بثّ الإيمان فيهم، فهم بُناة المستقبل، ونحن لا نريدهم أن يكونوا منكسرين مستسلمين، بل مؤمنين وقادرين على تحقيق أنفسهم.

 

بقلم الاختصاصيّة النفسيّة العلاجيّة رنا منصور عودة

 

 

Print Share