?
> أغسطس 2017

كيف نساعد الأطفال في التعامل مع الفقدان

رنا منصور عودة - اختصاصية نفسية علاجية

الفقدان هو حقيقة من حقائق الحياة، نتعامل معها بطيف من الدرجات المختلفة، قد يكون الموت أصعبها.

تضع فكرة الفقدان أمامنا صعوبات جمّة في استيعاب واقع الحياة الذي لا يتماشى دائمًا مع رغباتنا. هذه الصعوبات تجعل مشاعرنا مركّبة قد تعتريها الفوضى وعدم اليقين. سأتناول في سطوري القليلة الآتية مفهوم الفقدان عند الأطفال وكيفية تعاملهم مع هذه الحقيقة.

يتعامل الأطفال مع فكرة الفقدان منذ نعومة أظفارهم، وذلك عندما تصل أمور مختلفة نهايتها، مثلاً: “حليب انسكب على الأرض”، “نبتة جفّت وماتت”، “حيوان أليف اختفى أو مات”، وغيرها من المواقف.

تحثّ هذه المواقف العديد من الأطفال على السؤال، وتقوم البيئة القريبة منه بتزويده بإجابات تبني عنده، تدريجيًّا، فكرة أوّلية عن معنى الفقدان. مع هذه الفكرة تتكوّن مشاعر الطفل الخاصّة في مواجهة فكرة الفقدان التي قد تختلف من طفل الى آخر وفقًا للمعلومات من البيئة الخارجية، وكذلك للأفكار والقوى الشخصية الداخلية للطفل، وأيضًا الدعم الخارجي الذي يحصل عليه من ذويه والمحيطين به.

نتساءل جميعًا عن الوساطة اللازمة لشرح فكرة الفقدان للطفل، خاصّة عند الحديث عن الموت.

لماذا يخلق الموت بالذات هذه الصعوبات لدينا؟

لأن الموت هو أحد أشكال الفقدان التي يصعب علينا كبالغين التعامل معها، لما فيها من افكار ومشاعر مختلطة.

يعتقد العديد أن عمر الطفل هو العامل الذي يحدّد كيفية طرح موضوع الفقدان. لكن، وكما ذكرت أعلاه، فإن لكل طفل معرفة سابقة وتجربة مختلفة مع الفقدان، لهذا فإنّ العمر بالإضافة للتجارب والأفكار السابقة، تشكّل معًا العوامل الأساسيّة لهذه المعادلة.

كيف نفسّر الفقدان للطفل؟

أوّلًا، من الهام جدًّا فحص مدى معرفة الطفل السابقة عن موضوع الفقدان، من خلال أسئلة واضحة ومباشرة عن أفكاره ومشاعره. “ماذا حدث برأيك؟”، “هل سبق أن فقدت شيئًا/شخصًا؟”، “ماذا شعرت؟”…

ثانيًا، عرض الحقائق دون خوف من استعمال مصطلحات واضحة مثل “موت” أو “وفاة”. فقد نقلق أحيانًا من ردّة فعل الطفل على مثل هذه العبارات، فنقوم باستبدالها بمعلومات مغلوطة قد يحاسبنا عليها الطفل لاحقًا، أو قد تدخل بلبلة إلى عالمه. على سبيل المثال، يقوم البعض بتبرير موت شخص معيّن بقولهم إنّه قد سافر في رحلة طويلة، فيتساءل الطفل بداخله عن الوقت وعن سبب عدم اتصال ذلك الشخص معه هاتفيًّا.

ثالثًا، ملاءمة الموضوع للطفل. خلال عملية طرح الحقائق يجب ملاءمة طريقة الطرح أو كمية المعلومات إلى مدى حاجة الطفل لها أو قدرته على استيعابها. فمن المحبّذ مثلًا ألّا نشرح للطفل بالتفصيل كيفية موت الشخص وتزويده بمعلومات قد تؤلمه أو تخيفه.

رابعًا، نفحص مدى فهم الطفل للحقائق التي سبق وسمعها منّا. فأحيانًا يسمع الطفل ما نسمعه، ولكن فهمه للحقائق قد يكون مختلفًا، لذا من الهامّ جدًّا إعادة فحص المعلومات التي وصلته منّا، كأن نسأله مثلًا: “هل بإمكانك مشاركتي مجدّدًا بما فهمته من حديثي مسبقًا؟”

بعد مشاركة الطفل بالمعلومات والحقائق حول الفقدان والموت، نصل إلى مرحلة نحتاج فيها إلى مراقبة ردود فعله والإصغاء إلى مشاعره. تختلف ردود فعل الأطفال تجاه مسألة الفقدان، فمنهم من يغضب كثيرًا، وعلينا كبالغين أن نفسح المجال للطفل للحديث عن هذه المشاعر الصعبة، بدل أن نخاف منها ونحاول إلغاءها. وقد نحتاج أحيانًا إلى التوقّف عن الحديث أو تأجيله، خاصّةً إذا شعرنا بعدم قدرة الطفل على الاستمرار واحتواء الموقف.

ولا يقتصر التعبير عن هذه المشاعر على الحديث، فهنالك العديد من الأطفال الذين يتوجّهون إلى وسائل تعبير أخرى، مثل الرسم واللعب بألعاب مختلفة. القصة هي مدخل آخر لخوض هذا الموضوع، وكنّا في السابق قد وزّعنا على البساتين قصة بعنوان “أرنوبية” وهي تتعاطى مع موضوع الفقدان.

واجبنا كبالغين يبدأ بعملية فحص معلومات الطفل عن الفقدان، ثمّ تزويده بالحقائق وملاءمتها لمستوى إدراكه وقابلية استيعابه واستعداده لذلك، ومن ثمّ مراقبة ردود فعله واحتواء مشاعره المختلفة.

رغم صعوبة هذه المواقف، إلّا أنّه من الهام جدًّا كشف الطفل على طرق التعامل مع الفقدان، وعدم التّغاضي عنه. وتذكّروا أنّ إلغاء الموقف لا يعني أبدًا إلغاء المشاعر.

 

 

Print Share