?
> سبتمبر 2017

مراجعة لكتاب “خربوش خرابيش”

عنات غال أون * –

 

كتاب “خربوش خرابيش” (نص: نوغا ألغوم، رسومات: أفيئيل بسيل، دار النشر: عام عوفيد) مسجوع بشكل جميل وتتخلّله رسومات جميلة تملأ قلوب الأطفال متعةً وبهجة. ولكن، أبعد من ذلك، “خربوش خرابيش” يضع أمامنا بعض الحقائق، وليست كلها سهلة الاستيعاب.

“خربوش خرابيش” هو طفل استثنائي، وُلد لأمٍّ “بيضوية” وأب “مستطيل”، ولمجتمع من الأشكال الهندسية الملونة، وكان هو مختلفًا. إنّه لطيف جدًّا، ولكنّه أحاديّ اللّون، وليس سوى خط “مخربش” وغير متناسق.

من الصعب أن يفوتك أمرُ اختلافِه، وبسهولة يصبح حديث اليوم. فالكبار يتهامسون حوله بيأس، وأطفال الروضة، كما يفعل الأطفال في بعض الأحيان، وخاصة الأطفال الذين لم يسبق لهم ان التقوا شخصًا مختلفًا، ينظرون إليه، يسخرون منه ويؤلمونه بقولهم: “أنت مجرد خرابيش خربوشيّة”. وخربوش بطبيعة الحال يتألّم جدًّا حتى أعماق نفسه “المخربشة”؛ “ لماذا وُلدتُ هكذا؟” – يسأل نفسه باكيًا.

 

كيف كان يومك في البستان؟

لا يصف الكتاب لقاء خربوش مع والديه في نهاية هذا اليوم الصعب في البستان (ولا في الأيام التي تلت ذلك اليوم، التي كانت على الأرجح مشابهة). وأودّ أن أضيف هذه الصفحة للكتاب، وأصف فيها كيف عاد خربوش إلى المنزل هادئًا ومنطويًا، وكيف أنه انفجر باكيًا عندما سُئل “كيف كان يومك في البستان؟”، كيف حدّث أهله بأن الجميع سخروا من شكله، وأنّ أحدًا لم يقترب للّعب معه، كيف وصف الوحدة التي عاشها وتشكيكه بذاته.

لا بدّ أنّ شعور الأم والأب كان شعورًا رهيبًا. فوحدة طفلنا هي أكثر الأمور إيلامًا بالنسبة لنا. حتى نظرات الكبار حولنا، الموجّهة له ولنا، قد تزعجنا وتثير الشكوك فينا أيضًا: هل طفلنا بخير؟ هل هو ‘كغيره’؟ ولننتبه بعض الشيء إلى كلمة ‘كغيره’، فالمقصود منها “مثل أي شخص عادي”. والجواب في هذه الحالة واضح: الطفل ليس كشخص عادي، ومن هنا الاستتناج أنّ الطفل ليس بخير.

 

‘تصحيح’ الطفل

حاول الأب والأمّ تقديم المساعدة، وعرضا ابنهما خربوش على خبراء من جميع أنحاء العالم على أمل تصحيحه، ليصير شكله “مألوفًا كباقي البنين”. كانت الأم والأب يحاولان المساعدة، ولكني أعتقد أن خربوش شعر بأمرين مختلفين: الفشل والوحدة. فها هو العالم من حوله يرفضه مجدّدًا، ويبقى هذه المرّة وحيدًا: لا أحد، حتى أمّي وأبي، مستعدّ أن يكون معي، كما أنا. لا أحد يريد أن يحبّني حقًّا، أن يقبل بي رغم اختلافي وبكل نواقصي. ومن المشكوك فيه بقاء أيّ ذكر للجملة التي قالها والداه قبل بضع صفحات: “سنحبّك دومًا يا ابني الحبيب، حتّى لو كان شكلك غريب”. ليس أنّ الوالدين لا يحبّانه، ولكن أحيانًا يسيطر الخوف علينا ويحرّكنا، يهيمن علينا. وفي غمرة العواطف والألم، نتصرف من منطلق الخوف، ويبقى طفلنا مع الشعور المبهم بأن كلًّا من الأم والأب يريانه كخربوش، فاشل، شيء يحتاج إلى التّصحيح.

وحيدا، وغير منتمٍ لأحد، يخرج خربوش في رحلة. مثل العديد من الأبطال في الأدب، رحلته شاقة ويائسة؛ المزيد والمزيد من الأشكال تذكّره بكارثته. ينام وهو حزين، يحلم بالرحلة التي يرغب بها أكثر من أي شيء – “عالم كلّ من فيه خرابيش بلا أشكال”.

في نهاية هذه الرحلة الحسّيّة والمثيرة، يصحو خربوش ليجد الخلاص.  عينا طفل تنظران إليه وتريانه، فتسمحان له بإعادة تعريف نفسه.

 

ماذا يفعل الأهل؟ 

للوهلة الأولى، يمكن للمرء أن يقول أنّ الكتاب ينتقد الأهل الذين لم يتمكّنوا من قبول طفلهم كما هو. ولكن كما قلنا، الآلية الأولى التي نستعملها كأهل أمام معاناة أطفالنا هي محاولتنا مساعدته وتصحيح الموقف. الاستنتاج بالنسبة لنا كأهل ليس بسيطًا، كما يمكن للمرء أن يفكّر. ولا يعني هذا أنّ الأهل “الجيّدون” لا يأخذون طفلهم  للتشخيصات والعلاجات لمساعدته، واستشارة اختصاصي تغذية، والتفكير في إعطائه “الريتالين”. الأهل القلقون على مصلحة أولادهم هم بالتأكيد أهل محبّون ومهتمّون بأبنائهم. ولكن لإعطاء أطفالنا الشيء الذي هم بأمسّ الحاجة إليه منّا – الشعور بأنّهم محبوبون، مهمّون، الشعور بالانتماء والشعور بأنّنا معهم كلّما احتاجوا إلينا – علينا أن ننظر أوّلًا إلى داخلنا. أن نولي اهتمامًا للمشاعر الجارفة التي تنتابنا. أن ننظر ونرى خوفنا، والقلق الشديد على سلامة أطفالنا، وحتى انزعاجنا بسبب اختلافهم عن غيرهم.

عندها، وقبل التوجّه لاستشارة أفضل الخبراء، أو قبل الإنكار مباشرة (‘أنت بخير، إنّهم مجرد أغبياء!’)، أو تشجيعه (‘سترى، مع الوقت ستكون أفضل من الجميع!’)، أو تهدئته (هل تريد المزيد من الكعك؟)، يمكن أن نتروّى قليلًا وأن نكون معهم في حزنهم وألمهم. بل يمكننا أن ندع دموعنا تترقرق في أعيننا عندما نعانقهم. ما زال قلقنا موجودًا، ولكنّنا الآن نسيطر عليه حتى نتمكّن من  أن نكون معهم تماما.

ليس سهلًا تأمّل ما يعترينا، لنتمكّن من مرافقة الطفل في ألمه، خاصة مع شعورنا بوجود وضع اجتماعي طارئ. ليس سهلا، ولكنّه ممكن بالتأكيد.

قصة النضوج والشفاء
قصة الأطفال هذه، ذت النهاية السعيدة والمدعِّمة، هي قصة محبَّبة على قلوب الصغار والكبار لأنّها تجعلنا نتماهى معها. فمعظمنا يشعر أحيانًا بأنّه مختلف، إمّا حيويّ جدًّا، أو انطوائي جدًّا، قصير القامة، أو سمين وغير ملائم للبيئة المحيطة به. الراحة النفسيّة إزاء معرفة أنّك لا يجب أن تكون مثل أي شخص آخر، مدهشة.

لكن القصة ليست محبوبة علينا فقط لأنّنا جميعًا نتوق إلى نهاية سعيدة، ونرغب بالاعتقاد بأنّنا وأطفالنا يمكن أن نكون أيّ شيء نريده. إنّما الأمر أبعد من ذلك، إنّها قصة النضوج والشفاء. معظمنا، كأطفال، سمع عبارات مثل “لم يحدث شيء” أو “توقّف عن البكاء، أنت لست طفلا!”  هكذا نشأنا، هذا ما عرفه أهلنا القلقون على رفاهيتنا. وكم نودّ أن نجد شخصًا يملأ هذا الفراغ. فاذا تركنا أهلنا وحدنا، نتمنّى أن نجد شخصًا آخر مهمًّا لنا، قادرًا على رؤيتنا، والاعتراف بكوننا أشخاص مميّزين، وإسعادنا.
يمكن لنظرة الشخص الآخر لنا أن تقمعنا وتدمّرنا، ولكن يمكنها أيضا أن تشفينا وترفعنا عاليًا. كل ما يحتاجه الطفل (حتى عندما يصبح بالغًا)، هو شخص واحد يؤمن به. شخص، عندما أنظر إلى عينيه، يمكن أن اجد فيهما صدى لا نهاية له لمن أكون أنا.

 

*الكاتبة هي صحفية وموجهة مجموعات في موضوع الوالدية

المقالة منقولة ومترجمة عن موقع “هجيل هراخ” (السن المبكرة) على الرابط:

https://goo.gl/CpmdLG

ترجمة المقالة: رنا منصور عودة

ترجمة القصة للعربية: علاء حليحل

 

Print Share