الطاقم التربويّ > كيف يتعامل أدب الأطفال مع الفقدان؟
?
> نوفمبر 2020

كيف يتعامل أدب الأطفال مع الفقدان؟

 

في أعقاب قصّة “البحر رأى” للصّفّ الأوّل

تأليف ورُسومات: طوم ﭘِرْسِفال | ترجمة: د. جودت عيد | النّاشر: “تخيليت”

المقالة بقلم: رنا منصور عودة*

 

صوفيا طفلة تأخذنا معها في رحلة فقدان نهايتها سعيدة، لتترك في نفوسنا دفء اللّحظات والحنين.

الحياة رحلة طويلة نلتقي فيها بالعديد من الأشياء والأشخاص، فنجعل قسمًا منها قريبًا إلى قلوبنا، ونحاول الاحتفاظ به والبقاء معه، كما فعلت صوفيا مع دبدوبها المحبّب.

ولكنّنا، كبالغين، نعي حقيقة الحياة وما تحمله لنا من لحظات حزن إلى جانب السّرور، ومن فقدان إلى جانب الرّغبات.

كلّ، وفق وتيرة حياته وما تحمله له، يعايش الفقدان بصُوَرِه العديدة. يبدأ الفقدان من الأمور الحياتيّة البسيطة، كأن نضيّع غرضًا أو نبتعد عن شخص أو مكان نحن معتادون عليه. وقد يأتينا الفقدان بصوره الأصعب كفقدان شخص عزيز علينا.

وقد تتفاوت ردود الفعل على الفقدان، فهناك منّا من يستطيع التّعامل معه بسهولة أكبر مقارنة بآخرين. فكيف نتعامل حقّا مع الفقدان؟ وكيف بإمكاننا مساعدة أنفسنا ومن حولنا في مثل هذه الظّروف.

أوّلًا: يختلف التّعامل مع الفقدان باختلاف عمر الأشخاص ومراحلهم العمريّة.

الأطفال الصّغار جدًّا مثلًا لا يدركون، حتى ذهنيًّا، معنى الفقدان أو اختفاء الأشياء. وقد نجدهم يبحثون للحظات عمّا فقدوه، ومن ثمّ ينغمسون في فعالية أخرى بشكل سريع وتلقائيّ.

مع تطوّر الطّفل تتطوّر قدراته الذهنيّة، ويبدأ بإدراك معنى أن يفقد غرضًا معيّنًا، فنجده يبكي أو يتوتّر أو يغضب لدى ضياع أغراضه، أو حتى عندما يشاركه الآخرون بها. فانتقال الأغراض الى أيد أخرى يكون بمثابة فقدانها، حتى وإن وعدناه بإرجاعها له بعد دقائق. في هذه المرحلة نلاحظ ردود فعل حادّة لدى الأطفال تجاه الفقدان. أمّا في فترات لاحقة فتتفاوت ردود الفعل تجاه الفقدان، وفقًا لما سيتعلّمه كلّ شخص من بيئته ومن الطرق المختلفة للتّعامل مع هذه الحالة.

ثانيًا: يختلف التّعامل مع الفقدان وفقا للوساطة والدعم

جميعنا، صغارًا وكبارًا، نفضّل ألّا نفقد شيئًا أو شخصًا عزيزًا. ولكي ننجح في التّعامل مع حتميّة الفقدان، فإنّنا نحتاج إلى التّعامل النّفسيّ مع الحقائق. مَن حولَنا هم من يبنون معنا معنى الفقدان وكيفيّة التّعامل معه. لا شكّ أنّ الدّعم العاطفيّ من شأنه أن يساعد الشّخص في تخطّي المشاعر الصّعبة التي ترافق الفقدان. ومن الهامّ جدًّا التّعامل مع هذه الحالات كمجموعة داعمة لا تترك الشّخص بمفرده أمام هذه المواقف.

ثالثًا: تختلف ردود فعلنا بحسب اختلاف أهمّية الغرض المفقود

في الكثير من الحالات لا نفهم ردود فعل غيرنا تجاه ما يفقدونه. وقد نحكم على ردود الأفعال والمشاعر وفقا لمنظورنا الخاص، وننسى أن مشاعرنا وردود فعلنا ناتجة عن المعنى الذي نعطيه لهذا الغرض أو الشّخص.  فإن كان معناه كبيرًا بالنّسبة لنا، تزداد مشاعرنا تجاه فقدانه. قيمة الغرض الحقيقية لا تؤثّر على مشاعرنا بقدر القيمة التي نعطيها نحن لهذا الغرض.  فأحيانًا، قد تثير دمية قديمة مهترئة وغير ثمينة مادّيًّا، الكثير من المشاعر لدينا، كما رأينا في قصّة “البحر رأى” مع صوفيا والدّبدوب.

رابعًا: نتعلّم مواجهة الفقدان والعيش معه رغم الصّعوبات

مع كل الأهمّية التي قد تكون للأشخاص والأشياء، إلّا أن الفقدان هو حقيقة وجزء لا يتجزّأ من الحياة. ولهذا فلا مفرّ من مواجهة هذه المراحل الصّعبة بكلّ ما تحمله من معاني وصعوبات.

كيف نتعامل مع الفقدان:

  1. من الهامّ جدًّا إعطاء الشّرعيّة لكلّ المشاعر التي يمرّ بها الفرد. كل ردود الفعل هي شرعيّة ومقبولة لأننا نعبّر عن حالة نفسيّة داخليّة لمعنى ما فقدناه في حياتنا.
  2. الدّعم العاطفيّ هامّ جدًّا في هذه الحالات، لأنّ الطّفل يتعلّم التّعامل مع الفقدان من أسلوبنا نحن في التّعامل معه.
  3. في حال كان باستطاعة الفرد استرداد ما فقده فمن الهامّ أن نعلّم الطّفل هذه المهارات ونشجّعه ونشاركه في البحث عمّا فقده أو محاولة استرداده. فكما رأينا في القصّة حاول والد صوفيا مساعدتها في البحث عن الدبدوب على شاطئ البحر. في حالات أخرى، مثل وقوع خلاف مع صديق، يمكننا أن نشجّع الطّفل على محاولة استعادة العلاقة الطيّبة في حال كان الأمر في مصلحة الطّفل.
  4. في حال كان الفقدان نهائيًّا، ولا أمل في استرداد الأشياء او إعادة الأشخاص، فإنّه من الضّروري تطوير بدائل تبثّ في أنفسنا الطّمأنينة كاستعادة الذّكريات الجميلة والحنين الدافئ.

ولا ننسى أنّنا جميعًا نحتاج إلى حياة دافئة نجد فيها أشخاص يساعدوننا في تخطّي تحدّيات الحياة.

 

* الكاتبة هي اختصاصيّة نفسيّة علاجيّة

Print Share