طاقم الرّوضة والبستان > ماذا وراء حبّ أطفالنا لتجميع الأغراض؟
?
> أكتوبر 2019

ماذا وراء حبّ أطفالنا لتجميع الأغراض؟

في أعقاب كتاب “الحقيبة”

 

 “في يومٍ من الأيّام، وصل إلى المكان حيوانٌ غريبٌ. كان مُغبّرًا ومتعبًا وخائفًا، وكان يجرّ وراءه حقيبةً كبيرةً.”

بهذه الجملة تبدأ قصّة “الحقيبة”، الكتاب الثّاني الذي يتمّ توزيعه هذا العام على أطفال البساتين. جملة تفتح صناديق الخيال لدى الصّغار، وتدعوهم ليحزروا ما بداخل الحقيبة. ولكن الانتظار لا يطول، حتى يبدأ حديث ظريف بين الحيوانات حول الحقيبة وما بداخلها.

غالبًا ما نرى أطفالنا وبأيدهم أغراض مختلفة: خرقة قديمة، قطعة خشبية أو بلاستيكيّة، دمية من فرو، أو أي غرض آخر قد نفهم معناه حينًا، أو لا نفهمه حينًا آخر. قد تكون هذه الأغراض متغيّرة أو ثابتة، فهناك من الأطفال من يحمل في كلّ مرّة غرضًا مختلفا، وهناك منهم من يتمسّك بنفس الغرض لمدة طويلة.

ولعلّ أجمل ما في الأمر هو عندما يبدأ الطّفل بوضع “أغراضه” المفهومة وغير المفهومة لنا، في حقيبة يجرّها شرقا وغربا في أنحاء المنزل وفي الزيارات وكلّ الطلعات.

من منّا لم يبتسم، ولو مرّة، عندما ألقى نظرة على ما في داخل حقائب الصّغار: قطعة ملابس، أو حبّة فاكهة، أو عِقد فقدناه من مدّة، أو غلاف حبّة حلوى أو “مفاجآت” أخرى… قد نضحك ولا نفهم سبب اجتماع هذه الأغراض في حقيبة واحدة.

أبدأ بإلقاء الضّوء على حبّ الأطفال لتجميع الأغراض. عالم الطّفل يتميّز بحب الاستطلاع واكتشاف العالم المحيط به. إنّه بالنسبة لهم عالم مليء بأمور لا يعرفونها، تثير فضولهم وتحفّزهم على الاقتراب منها. رويدًا رويدًا نراهم يجمّعون الأغراض كدلالة على مرحلة تتميّز بالتجميع والبناء، وهي مرحلة في التطوّر الذهنيّ والحسّي لدى الطّفل. في هذه المرحلة لا تعود تصرّفات الطّفل متقطّعة وغير مترابطة، بل تبدأ محاولاته لفهم بيئته وقوانينها المختلفة، كأن نراه مثلًا يقوم بتفكيك الأشياء أثناء لعبه وإعادة بنائها.

من الجدير بذكره أنّ العديد من أغراض الطّفل غير مفهومة لنا، لذا من المفيد جدًّا التحدّث معه حول ما يعنيه كلّ غرض بالنّسبة له. أحيانا نراه يحتفظ بأمور عشوائيّة وفي أحيان أخرى نراه يعطي معاني تفاجئنا لأغراض لم نفهم معناها مسبقا، كقطعة خشبية.

من المؤكّد أنّ مثل هذه الأحاديث تشجّع الطفل على مشاركتنا أموره الخاصّة وعالمه الدّاخلي، وتمكّننا من مساعدته في فهم “قوانين” بيئته القريبة.

لهذا، حتّى وإن بدت لنا حقائب أطفالنا مليئة بأمور “لا معنى لها”، من المحبّذ أن نلقي نظرة داخلها لأنّها بالفعل تكون مليئة بالمعاني المستترة تحت الأشكال الغريبة.

 

بقلم الاختصاصيّة النفسيّة العلاجيّة رنا منصور عودة

 

Print Share