طاقم الرّوضة والبستان > الرّسومات في قصص الأطفال – قصّة “الحقيبة”
?
> ديسمبر 2019

الرّسومات في قصص الأطفال – قصّة “الحقيبة”

لا تقلّ الرّسومات في قصص الأطفال أهميّةً عن النّصّ. وأحيانًا يعمل النصّ والرّسمة معًا بطريقة متكاملة، فلا يقول النصّ كلّ شيء بل يترك للرّسمة تجسيد قسطٍ من المعلومات، وهذا ما يجعلنا نلحظ تقلّص الوصف في قصص الأطفال الجديدة. فما عادت القصص تبدأ بـ”ليلى فتاة جميلة وذكيّة وتلبس فستانًا أحمر”، لأنّه في التّوجّه الجديد لأدب الأطفال يتناوب النصّ والرسمة في عرض أفكار الكاتب، فنجد أحيانًا صفحات مع كلماتٍ قليلة، وأخرى دون كلماتٍ، وقصصًا أخرى كاملة تعتمد فقط على تسلسل الأحداث داخل الرّسم.
كتاب “الحقيبة” الذي تمّ توزيعه هذا العام (2019) من خلال “مكتبة الفانوس” على أطفال البساتين، هو من تأليف ورسوم الفنّان كريس نيلور بليستروس. وفيه نلحظ نموذجًا لرسوماتٍ بسيطة جدًّا، متناغمة مع النّص القصير ولا تشتّت انتباه الطّفل. هناك خلفيّة بيضاء على امتداد القصّة، لا وجود لأغراض لا تخدم الفكرة، لا سماء ولا طبيعة، ولا تحديد للمكان أو للزمان عبر بعض الرموز المعروفة، كالشّمس أو المطر أو تساقط أوراق الشّجر، لأنّ كلّ هذه التّفاصيل لا حاجة لها في قصّة تعرض موقفًا إنسانيًا حساسًا لحيوانٍ هشٍّ وصل للتوّ معلنًا عن قدومه وحيدًا ومتعبًا من مكانٍ بعيد. لذلك لا نرى رسومًا في الصفحات غير ما يتطلّبه الحوار بين الحيوانات الثّلاثة والحيوان الغريب. وعندما يذكر الأخير بأنّ في حقيبته فنجان شايٍ تظهر أمامنا صورة فنجان شايٍ لا غير، وكلّما ذكر الحيوان الغريب شيئًا أُضيف إلى الرسمة بلا زيادة أو نقصان.
تساعدُ هذه التّقنيّة في الرّسم البسيط على تركيز انتباه الطّفل إلى حيث تريد القصّة. وفي قصّتنا هذه يرغب الكاتب في الوصول المباشر إلى قلب الطّفل، وإيداع الأحاسيس والمشاعر الإنسانيّة داخله، اعتمادًا على تعابير أوجه الحيوانات في القصة. فمثلاً، توحي صورة الغلاف بالتّعب الكبير في عينيّ الحيوان الغريب، ثمّ نلاحظ الحيرة عليه عندما يتلقّى الأسئلة من الحيوانات. كما نرى استغراب الحيوانات كلّما أمعن في إجاباته غير المنطقيّة بالنسبة لها. ولم يهمل الكاتب الحركات الجسديّة للشخصيّات، فنراها منفعلة، حزينة، قلقة، مستغربة، حسب الأحداث.
اختار الكاتب أن يرفق مقولة كلّ حيوان فوق رسمته وبلونه. ففوق الثّعلب الأحمر ظهر نصّه باللون الأحمر، وكذلك الأمر مع بقية الشخصيات، الأمر الذي أضفى بُعدًا جماليًّا.
ولأنّ أحداث القصّة تمتزج وتتراوح بين الواقع والخيال، وحتى لا يتأرجح الطفل بينهما، فصل المؤلّف بين العالمين مستعينًا بالألوان، فأخذ الخيال الألوان الباهتة التّي تذكّرنا بالماضي، تلك التي تكون باللون البنيّ الباهت كدليلٍ على القِدَم، بينما تميّز الواقع والحاضر بخلفيّة بيضاء وألوان زاهية.
وكانت اللحظة الأولى التي يلتقي بها الواقع والخيال هي لحظة فتح الحقيبة، حين ظهر فنجان الشّاي وصورة الحيوان في بيته القديم. وعندما يصحو الحيوان الغريب من النّوم يندهش مما فعلته الحيوانات، وبدل أن يعرض لنا الكاتب صورة الحيوان الغريب حزينا على فتح الحقيبة يختار أن يضعنا أمام صورة بلا نصّ لفنجان الشاي وهو ملصقٌ وموضوعٌ على الطاولة الخشبيّة، لأنّ باستطاعة الرسمة أن تقول كلّ شيء.
في الصّفحة التّالية يظهر البيت الملوّن بألوان الحيوانات جميعًا، بما فيها الحيوان الذي لم يعد غريبًا الآن، مضيفًا للجوّ العام بعض الدفء، ويوحي بأنّ هذا البيت الجميل هو نتاج تكوّن صداقة جديدة، اشترك فيها الجميع. وتنتهي القصّة بصورتين معلّقتين على الحائط، إحداهما ملوّنة وتظهر فيها الحيوانات الأربعة جميعها، والأخرى القديمة الملّونة بالبنيّ الفاتح مما يحفظ مكانة الماضي، فتعرضان الماضي والحاضر كمكمّلين لبعضهما البعض.

Print Share