طاقم الرّوضة والبستان > الضّوء في آخر النّفق: المجاز في أدب الأطفال
?
> مارس 2021

الضّوء في آخر النّفق: المجاز في أدب الأطفال

 

بقلم: نورة صالح

مامبا

تأليف: فاطمة حجازي | رُسومات: شارلوت شاما

 

ربما يكون التّعبير المجازيّ “هناك ضوء في آخر النفق” من أكثر التّعابير استهلاكًا لدى الكبار، وهو تعبير يهدف إلى إيصال فكرة أنّ هناك شروقًا بعد كلّ حلكة، وأنّ المتاعب والصّعوبات هي مرحلة مؤقّتة يليها انفراج.  وقد نرغب نحن كمربّين وأهل بأنّ نمرّر لأطفالنا بعض المفاهيم التي نؤمن بها، ونتّبعها من أجل تشجيعهم على التّحمّل والمحاولة، وعدم الاستسلام للصّعوبات، وبأنّ خلف الألم مكسب وصفحة جديدة مشرقة.

هل هذه التّعابير المجازيّة تنجح في الوصول إلى أذهان الأطفال؟ هذا سؤال تصعب الإجابة عنه، وقد يختلف المختصّون والمربّيات والأدباء حول هذه الاستراتيجيّة في التّعليم والكتابة. هناك من يؤيّد تقديم الأفكار بشكلٍ مباشرٍ ومبسّطٍ لضمان وصولها للطّفل، وهناك من يجد بأنّ على الأدب تعزيز ثقافة الطّفل وإثراء لغته وتربيته على مبادئ إنسانيّة وثقافيّة. وهذا الأخير هو النّهج الّذي تتّبعه قصّة “مامبا”.

مامبا ذئبةٌ صغيرةٌ تحاول عبثًا أن تتعلّم العواء، حتى يخطر في بالها أن تزور جدّتها حتى تساعدها. في الطّريق لبيت الجدّة، تستقلّ مامبا القطار، وتكتشف خلال الرّحلة أنّ لكلّ حيوانٍ صوتًا وطريقةً خاصّةً به للكلام. بعد أن تجرّب إيجاد صوتها بنفسها، تنجح مامبا في ذلك بالضّبط في نفس اللّحظة التي يظهر فيها الضّوء في آخر النّفق الذي مرّ منه القطار.

تساعد أجواء القصّة التي تقع معظم أحداثها في الليل المظلم، في التّأكيد على فكرة الضّوء الّذي يظهر في نهاية القصّة، وبالتّالي، في ترسيخ الفكرة بأنّ الصّعوبات هي شيءٌ مؤقّتٌ يمكن أن يتحوّل إلى سعادةٍ عارمةٍ كما حدث مع مامبا بفضل حماستها وشجاعتها. يرمز الليل للحزن والاستسلام، وينجح الكتاب في أن يوصل لنا شعور مامبا المكثّف بالحزن والعجز بواسطة الرّسومات. كما يوصل لنا شعورها بالتحرّر والانطلاق عندما يتوقّف القطار استجابةً لعوائها في نفس اللحظة التي يظهر فيها الضّوء في آخر النّفق.

لا يكمن تعزيز ثقافة الطّفل في قصّة مامبا فقط بتمرير المجاز إلى الطّفل، وإنما بتشابك بعض القصص الشعبيّة التي يعرفها الأطفال مع القصّة، وهو ما يسمّى في الأدب “التّناص”. ترتدي مامبا وشاحًا أحمر يأخذنا مباشرة إلى قصّة “ليلى الحمراء”، وما تشاركه ليلى ومامبا أيضًا هي رحلتهما إلى الجدّة. تشكّل الرحلة في القصتين التغيير الجذريّ الذي يطرأ على الشّخصيّة، أو على مسار الحكاية ككلّ، وهذا رمزٌ واضح للعيان ويمكن الاستدلال عليه بمجرّد إلقاء نظرة على رسومات القصّة والانتباه للوشاح الأحمر.

 

 

 

ثمّة تقاطع آخر يعيدنا إلى قصّة “كتاب الأدغال” و”موغلي”، الفتى الذي عاش مع الذئاب في الغابة، وكان يحاول التّدرّب على العواء كذئبٍ على قمّة الصّخرة الموجودة أعلى التلّة المرسومة في الصفحة الأولى من الكتاب. كذلك، يتقاطع رمز اكتمال القمر في الإشارة التي أعطتها الجدّة للذئبة، ففي قانون الذئاب في قصّة الأدغال يمثُلُ جميع الذئاب أمام زعيم القطيع ويباشرون العواء كدليلٍ على بداية البلوغ.

المجاز والتّناص هما من الأساليب الأدبيّة التي تثري عالم الطّفل وتمكّنه من اكتشاف عوالمٍ جديدةٍ والتعرّف إلى المزيد من القصص، وتحثّه على البحث الدّائم وراء الرموز والإشارات والكلمات. كما أن هذه الأساليب يمكن أن تشكّل أدوات تزيد من حماسة الأهل والطّفل في محاولة فهم ما كان يفكّر فيه الكاتب أثناء الكتابة. ابحثوا دومًا على الكنوز التي يتركها لكم الكُتّاب واتبعوا الإشارات!

Print Share