طاقم الرّوضة والبستان > ما بين كتاب “جيران مضجّون” والتمركز حول الذات
?
> نوفمبر 2018

ما بين كتاب “جيران مضجّون” والتمركز حول الذات

 

تطرح قصّة “جيران مضجّون” مسارًا شيّقًا لما قام به الحلزون لزون ليتمكّن من النوم بدون ضجّة. نراه في البداية مستاءً من الضجّة التي يسبّبها جيرانه، فيفكّر في خطّة للحصول على ليلة هادئة. يقيم حفلًا يدعو إليه الجيران، فيرقصون حتى يتعبوا ويخلدوا للنّوم، موفّرين له الهدوء الذي بحث عنه منذ البداية.

قد تفاجئنا هذه الخطّة الذكيّة، خاصّة إذا كنّا أطفالًا. لماذا؟

هذا التصرّف يثير الفضول لدى القارئ بالنسبة لمقدرة الحلزون لزون على التفكير بهذه الخطّة. فقد نتوقّع أن نرى لزون مستاءً، محتارًا، يفكّر بصعوباته وبكلمات أخرى: “متمركزًا حول ذاته”. ولكنّه يفاجئنا بالخروج من هذا الموقع.

أوّلا- ما هو التمركز حول الذات؟

التمركز حول الذّات Egocentrism – هي طريقة تفكير طبيعيّة تظهر بين سنّ الرّابعة والسّابعة من العمر، يميّزها تعامل الطّفل مع المواقف الحياتية والتفكير بها من خلال وجهة نظره فقط، دون قدرة على رؤية الأشياء بطريقة موضوعيّة، ودون الأخذ بالاعتبار وجهة نظر الآخرين وطلباتهم أو مشاعرهم. لهذا السبب، نرى الطّفل يتعامل مع الآخرين وفقًا لرغباته هو، كأن يرغب مثلًا في اللّعب مع شريك رغم أنّه يكون متعبًا، أو أن يشتري لوالده في عيد ميلاده هدية يرغب هو في الحصول عليها، وغيرها من الأمثلة. وبناءً على نمط التّفكير هذا، نجد الطّفل يتعامل مع مشكلاته الحياتيّة ضمن نطاق مشاعره وأفكاره، معتقدًا أنّ الجميع يفكّرون مثله ويشاركونه مشاعره.

لو كان لزون متمركزًا حول ذاته

لو كان حلزون لزون متمركزا حول ذاته، كنّا سنراه غير قادر على التفكير بمشاعر جيرانه، وغير آبهٍ بإيجاد طريقة تأخذ بعين الاعتبار احتياجات الجيران ومشاعرهم. حلزون لزون في قصّتنا، وجد حلًّا يأخذ بعين الاعتبار احتياجاته الخاصّة ومشاعر جيرانه في نفس الوقت. فهو لم يلجأ لإرغامهم على الهدوء، لأنّ حلًّا كهذا يضع احتياجاته في معزل عن مشاعر جيرانه وردود فعلهم، بل بحث عن حلّ وسط حكيم أرضى في النّهاية جميع الأطراف.

هل التمركز حول الذات أمر مُقلق؟

التّمركز حول الذات أمر طبيعي ينتهي في سن معيّنة. وقد تطرّق علم النفس إلى هذه المرحلة من خلال نظريّات التّطوّر الذهني عند الطّفل أهمّها نظرية التطور المعرفي لعالم النفس السويسري جان بياجيه.

ولكن، رغم كون هذه المرحلة طبيعيّة، إلّا أنّ البيئة تؤثّر عليها بوضوح. ففي السّنوات الأولى نجد كل فعاليات الطفل وتصرّفاته متمركزة حول ذاته، ومع الوقت تفرض البيئة ذاتها لتحوّل تصرف الطفل من الذاتيّة إلى الموضوعيّة.

ماذا يحصل اذا لم يتمّ هذا الانتقال؟

قد يتحوّل التمركز حول الذات إلى نهج أنانيّ يحول دون اندماج الطفل مع الأفراد في بيئته، ويعيق قدرته على التّواصل السليم مع الآخرين مما يجعله منعزلًا عنهم. لذا، من المهمّ أن يصل الطّفل الى نهاية المسار الذي وصل اليه حلزون لزون، ولكن لا ننسى أبدًا أنّ هذا المسار هو مسار تطوّري، يتطلّب من الطّفل النّضوج الذّهني ومرافقة من بيئة داعمة تنقله من المركزية إلى الموضوعية، ومن الأنانية إلى العلاقات الاجتماعيّة الناجعة، حتى وإن كان جيراننا “مضجّين”.

 

بقلم الاختصاصيّة النفسيّة العلاجيّة- رنا منصور عودة

 

Print Share