طاقم الرّوضة والبستان > أدب الأطفال بين الرمزيّة والتّعليم المباشر
?
> نوفمبر 2020

أدب الأطفال بين الرمزيّة والتّعليم المباشر

 

في أعقاب قصّة “حكاية نقطة على دفتر أبيض”

بقلم: نورة صالح

 

لا نحتاج إلى أن نشير لكون كتاب “حكاية نقطة على دفتر أبيض” هو كتاب مناسب لتعليم الأطفال عن الأشكال الهندسيّة سواء في البيت أو في المدرسة. فمن النّقطة نستطيع أن ننطلق لنرسم خطًّا مستقيمًا، وبعدّة خطوط مستقيمة يمكننا رسم أشكال هندسيّة مختلفة، كالمربع والمثلث والمستطيل، وبالاستغناء عن الخطّ المستقيم يمكننا رسم الدائرة. ومن خلال دمج الأشكال معًا يمكننا أن نصنع أشياء أخرى كعمارة عالية، شجرة مثمرة وشمس ساطعة وغيرها.

يتيح الكتاب للطّفل فرصة الانتباه للأشياء التي تبدو قالبًا واحدًا، ويشجّعه على تفكيكها إلى أجزاء وإعادة تركيبها أو حتّى اختراع أشكال جديدة.

بالتّوازي مع النصّ المباشر، ترسم كاتبة ورّسّامة القصّة، جلّنار حاجو، كتبها باللّونين الأسود والأبيض مع إضافة طفيفة جدًّا لبعض الألوان البارزة، وخصوصًا الأحمر (انظروا أيضًا قصّتها “أنا والأنا حمل ثقيل” التي وزّعتها مكتبة الفانوس على تلاميذ الصّفّ الثّاني عام 2018-2017). وهي تعتمد في أسلوبها على الزخرفة والجرافيك والرسم المجرّد أكثر من الرّسم التوضيحي الملوّن (انظروا مقابلة في الموضوع مع حاجو هنا). وتبدو طريقة الرّسم هذه بالإضافة لكونها تغني وتعرّف الطفل على نوع جديد من الرّسم، ربما لن يجده في الكثير من كتب الأطفال، طريقة أقرب إلى عالم الطّفل وتسهل عليه نسخها وتقليدها.

نلاحظ أيضًا بأنّ سيرورة الرّسم في القصّة تسير تباعًا مع النصّ. في البداية تظهر الأشكال مزخرفة ومزركشة على الصفحات، لأنّ البداية تركّز على التّعريف بالأشكال من ناحية الاسم والصورة، ثمّ عندما تبدأ القصّة بعرض إمكانيّة الدمج بين الأشكال لتكوين صور جديدة، تبدأ الرّسومات بالتطوّر، فتظهر لدينا العمارات والفراشات والأشجار والأصدقاء.

جلنار حاجو، عن موقع "البيان"

جلنار حاجو، عن موقع “البيان

كلّ ما سبق كان مباشرًا وواضحًا داخل الكتاب، فما الذي يختبئ بين السّطور؟

من سمات أدب الأطفال الحديث بأنّه يخفي بين سطوره مفاهيم غير مباشرة، تحتاج لبعض التّحليل والتّفكيك. ومن ضمن هذه المفاهيم هو مفهوم الملل الذي يعيشه الطّفل في أوقات معيّنة من يومه داخل البيت. وقد تثير كلمة “ملل” ردّ فعل سلبيًّا حيث لا يعرف الكثيرون منّا كيف يحوّلون وقت الفراغ إلى وقت ناجع وممتع. ولكن في قصّتنا بدأت فكرة رسم واختراع الأشكال بعدما ملّت النّقطة –أخيرًا- من الوقوف في مكانها، فراحت تنتج حركتها هذه الكثير من الأشكال والألوان والأفكار. وهذه إحدى الرّسائل غير المباشرة في النّصّ: البدء بالتحرّك!

لو أمعّنا التفكير في القصّة لوجدنا أيضًا بأنّ للحركة هذه فعل “العدوى” على البيئة المحيطة. شيئًا فشيئًا تنضمّ نقاط أخرى للنّقطة الأولى، ويبدأن في رسم واختراع أشكال ورسومات جديدة، فكلّ عمل نقوم به قد يكون حافزًا للآخرين لتكوينه معًا وإتمامه أو تطويره.

يمكن للكتاب أن يغيّر نظرة الطّفل (والكبير أيضًا) للأشياء العاديّة، فما عاد البيت بيتًا، بل تحوّل إلى مجموعة من الأشكال التي تعاونت معًا لتشكلّ هذا المبنى.

كلّ كتاب هو فرصة لرؤية العالم بشكل جديد ومختلف، للاكتشاف والتّفكيك وإعادة التّركيب، فلا تفوّتوا هذه التّجربة!

في الصّورة جلنار حاجو.

 

Print Share