?
> أريج مصاروة, مايو 2017

قراءَةُ الكُتُب والازدواجيَّة في اللُّغة العربيَّة

أريج مصاروة – 

ما هي الازدِواجيَّة في اللُّغة؟

يعي المربّون في العالم العربي التّحدّيات التي تضعها الازدِواجيَّة اللُّغويَّة أمامَ الأطفال العرب عندما يستمعون إلى قصص الأطفال. تحوِّ ل الازدواجيَّة اللُّغويَّة متعَة قراءة الكتب باللُّغة العربيَّة إلى تجربة أقلّ طبيعيَّة عنها في اللُّغات الأخرى.. يطلَ مصطلح الازدواجيَّة في اللُّغة العربيَّة على استعمال صورَتَين من اللُّغة، كلّ واحدة في السِّيا المناسِبِ لها. الصّورة الأولى هي العربيَّة العاميَّة، التي تعْتَبر اللُّغة الأمّ، واللّغة ال متداولة في البيت. هناك لهجاتٌ كثيرةٌ من العربيَّة العاميَّة في ال بلدان النّاطقة بالعربيَّة، أمّا الصّورة الثّانية فهي العربيَّة المعياريَّة/الف صحى التي تستَخد م بشكلٍ أساسيّ للكتابة، وفي وسائل الإعلام، ولأغراضٍ رسميَّة في شتّى أنحاء العالم العربيّ. تختلف صورتا اللُّغة عن بعضهما البعض من حيث المعجم اللُّغويّ، والتّعابير، ومن النّواحي الصّرفيَّة ومبنى الجملَة.

ذهبَ بعض الباحثين المعاصرين إلى أنَّ الازدواجيَّة في اللُّغة العربيَّة لا تشكِّل فارقًا واضحًا بينَ المستويين اللُّغويَّين، و يشيرون إلى أنّ النّاطقين بالعربيَّة يستخدمونَ اللُّغة الفصحى، والعاميَّة بشَكْلٍ مَرِن، حسب السّياق الاجتماعيّ، واللُّغويّ الذي تستَخدم فيه كلُّ واحد ة منهما (Boussofara-Omar, 2013) .

يقترح باحثون آخرون النَّظر إلى الازدواجيَّة اللُّغويَّة ليس على أنّها لغة أخرى. مختلفة عن الفصحى، بل اعتبارها سلَّمًا يتضمَّن

خمسة مستويات تتراوح بين اللُّغة الفصحى إلى اللُّغة العاميَّة: اللُّغة العربيَّة التُّراثيَّة، والعربيَّة المعياريَّة، وعربيَّة المثقّفين العاميَّة، والعربيَّة

العاميَّة من المستنيرين/أصحاب الوعي اللُّغويّ، والعربيَّة العاميَّة التي يستعملها غير المتعلّمين(Ryding, 20133 .)

أينَ يُواجهُ الأطفالُ اللُّغَةَ الفصحى؟

يواجه الأطفال اللُّغة العربيَّة الفصحى منذ الولادة، وقبلَ التحاقهم بالمدرسَة: فهم يسمعونها في البرامج التّلفزيونيَّة، ويشاهدونها

مكتوبَةً على يافطات الشَّوارع، وفي سياقاتٍ أخرى.. يتعلَّق مقدار تعامل الطِّفل مع العربيَّة الفصحى قبل بلوغه سنّ المدرسة ببيئة الطِّفل،

وعائلته، أمّا التَّعلُّم المنهجيّ للّغة المعياريَّة فيتمُّ عند التحاقه بالمدرسة.

ما هي أهميَّة قراءة القصص في إثراء اللُّغة الفُصحى عند الأطفال؟

تعتَبَر قراءة القصص للأطفال الطّريقة الطّبيعيَّة لتعريف الأطفال باللُّغة الفصحى، واثراء المعجم لديهم. تعرِّف كتب الأطفال

– ومن ضمنها كتب “مكتبة الفانوس” –  أطفالَ الرَّوضات على اللُّغة العربيَّة الفصحى منذ نعومة أظفارِهِم، وهي تُثري معجم الكلمات

الفصحى لديهم، على سبيل المثال: في كتاب تصبح على خير يا برهان كلمة ” يعانق ” في اللُّغه الفصحى تقابلها كلمة: “يحضن ” باللُّغه

العاميَّة، وكلمة “يبحث”، و”أريكة”، و”يتملَّكه الضَّحك”، وغيرها من المفردات في الكتب الأخرى.. بالإضافة إلى ذلك فإنّ الكثير من

الكلمات مشكولة الآخرِ، وهي تعرِّف الأطفالَ على جانبٍ لغويٍّ غير موجودٍ في اللُّغة العاميَّة. على سبيل المثال: كلمة طاقيَّةٍ في

كتاب سعد وقبَّعته الجديدة هي ذات الكلمة “طاقيَّه”، وكلمة “خرير” في كتاب تصبح على خير يا برهان هي ذاتها خرير بالفصحى.

ما هي الطَّريقة المفضَّلة لقراءة الكُتُب للأطفال- بالعاميَّة أم بالفُصحى؟

على ضَوْء الوعي بأهميَّة التَّجربة الممتِعة للأطفال الذين يروون القصص، كثيراً ما تتردَّد المربِّيات والأهالي بالنِّسبة للطريقة

الممتعة، والنّاجعة للأطفال في قراءة الكتاب، وذلك على ضوء الازدواجيَّة الموجودة في اللُّغة العربيَّة. هناك عدد من الَّوجُّهات بالنِّسبة لهذه القضيَّة

(1)  يقرأ البالغ الكتاب مع نفسه، ثمَّ يروي بعدَها للطفل حبكة القصَّة باللُّغة العاميَّة

(2) يقرأ البالغ القصَّة باللُّغة الفصحى

(3) يدمج البالغ بينَ اللُّغة العاميَّة، وبين اللُّغة الفصحى، وينتقل بالتَّدريج من سَردِ أحداث القصَّة باللُّغة العاميَّة، إلى السَّرد باللُّغة

الفصحى.

يرى مؤيِّدو التَّوجُّه الأوَّل (على سبيل المثال: الحديدي، 2010 ) الذي يؤيِّد سردَ القصَّة باللُّغة العاميَّة أنَّ سَرد القصَّة باللُّغة

الفصحى يخلق حاجزاُ بينَ القارئ وبينَ الأطفال، ويضرُّ بالاستمتاع بالقصَّة. لذلك من المفضَّل في الاطِّلاع الأوَّلي على القصَّة سرد

القصَّة باللُّغة العاميَّة كي يفهمَ الطِّف ل القصَّةَ، كما أنّه من المحبَّذ التَّحدُّث مع الأطفال حولَ القصَّة باللُّغة العاميَّة لأ نها اللُّغة الطَّبيعيَّة

للأطفال، وتجدر الإشارة إلى أنَّ مؤيِّدي هذا التَّوجُّه يقترحون دمج التَّعابير الفصيحة الموجودة في القصَّة بشكلٍ تدريجيّ من أجل

تعريف الأطفال عليها.

بينما يذهب أصحاب التَّوجُّه الثّاني إِلى أنَّه ينبغي أن نقرأ نصّ الكتاب للأطفال كما هو، أي باللُّغة الف صحى، من أجل إثراء

لغتهم (خلف، 2006 ). ثمَّة حاجة لبذل الجهود من أجل إكساب الأطفال لغةً سليمة، وعاداتٍ قرائيَّة باللُّغة الفصحى.

يعتقد أصحاب التَّوجُّه الثّالث(الحريري، 2009 ) أنَّه من المفضَّل تقديم الكتاب للطِّفل مع دمج مستويين من اللُّغة في نفس

الوقت. يمكن ومن المحبَّذ القارءة باللُّغة الأصليَّة للكتاب، ذلك أنَّ قراءة الكتب للأطفال في مرحلةٍ مبكِّرة من العمر، تطوِّر اللُّغة، وتؤثِّر

على فهم المقروء في المستَقبَل، ومع ذلك من المهمّ سرد القصَّة باللُّغة العاميَّة، لأنَّ الأطفال يستمتعون بالقصَّة أكثر عندما تروى

بالعاميَّة. بالإضافة إلى ذلك ترى الحريري، أنَّه عندما نسرد القصَّة بالعربيَّة العاميَّة، فإنَّنا نساعِد الأطفالَ على فهم القصَّة بشكلٍ أفضَل.

(دعيم ويونس, 2007 ) تقترِحان التّمييزَ بينَ الأطفال الذين يبلغون من العمر ثلاث سنوات، وبين الأطفال الأكبر سنًّا. في

جيل الثَّلاث سنوات من المفضَّل أن نسردَ القصَّة باللُّغة العاميَّة، وفي جيل الأربع سنوات يمكن الانتقال بشكلٍ تدريجيّ من العاميَّة إلى

الفصحى، من المحبَّذ في البداية أن نحكي بالعاميَّة، وبعد شهرين من بداية العام الدِّراسيّ، يمكن سرد القصَّة باللُّغة الفصحى، لكن

بشكلٍ تدريجيّ مع الاعتماد على الصُّور، وهما توصِيان بأن تسردَ المربّية القصَّة للأطفال أبناء الخمس سنوات مرَّة واحدة باللُّغة

العاميَّة، وقراءة القصَّة بعد ذلك مباشرة باللُّغة الف صحى، كما توصيان قبيل الانتقال إلى الرَّوضة الإلزاميَّة، بأن تسرد المربِّيات القصَّة

باللُّغة الفصحى فقط، لكن من المفضَّل قبل قراءة القصَّة شرح الكلمات الجديدة، من أجل ضمان فهم الأطفال للقصَّة.

ما رأي المربيات في موضوع الازدواجيَّة، وكيفَ يُثرينَ لُغَة الأطفال؟

لقد لاحظنا من وصف التَّوجُّهات المختلفة لقراءة كتُب الأطفال بالعربيَّة، أنَّهُ ليس هُناك إجماعٌ لدى عُلماء التَّربية حولَ

الطَّريقة المفضَّلة لسَرد القصَّة. من المهمّ أن تُشرك المربِّيات زميلاتهنَّ بالطّريقة التي يروينَ فيها القصص للأطفال، وكيفَ يستخدمنَ

اللُّغة الفُصحى، والعاميَّة أثناء قراءَة الكتاب، وخلال المحادَثة حولَ الكتاب. يُمكنُ للمربِّيات أن يُساعدنَ في تقديم إجاباتٍ عن أسئلةٍ

هامَّة تتعلَّقُ بالازدواجيَّة اللُّغويَّة: ما هي القراءة التي يستمتعُ بها الأطفالُ أكثر من غيرِها- القراءة باللُّغة العاميَّة، أم القراءَة باللُّغة

الفُصحى، أم بدمجِهما معًا؟ هل يُمكنُ مساعَدة الأطفال في فهم القصَّة، وإثراء لُغتهم؟ كيفَ، وما السَّبيلُ إلى الدَّمج بين اللُّغة العاميَّة،

وبين اللُّغة الفُصحى أثناء قراءَة الكُتُب، وخلال المحادثة مع الأطفال؟ ما رأي الأطفال- ما الذي يُفضِّلونَهُ، ولماذا؟

بالإضافة إلى الخبرة العمليَّة، والمعرفة الثّمينة لدى المربِّيات، من المهمّ دراسة الموضوع، والمقارَنة بينَ أساليب القراءَة

المختلفة. يُجرى في هذه الأيّام بحثٌ من هذا النَّوع في جامعة تلّ -أبيب. سوفَ يُساعِدُنا الدَّمجُ بين خبرات مربِّيات رياض الأطفال،

وبين مُيول الأطفال، بالإضافة إلى نتائج البحث، على زيادة استمتاع الأطفال بالكُتُب، والتّعلُّم ذي المعنى الذي يحصلون عليه من

خلالها.

Print Share