> أبريل 2017

الفكاهة في أدب الأطفال العرﺑﻲ

الفكاهة في أدب الأطفال العرﺑﻲ

د. رافع يحيى

إن النظريات التي تناولت الفكاهة كثيرة ركزت في مجملها على عوامل معينة تربطها بالضحك، مثل: الدهشة، التفوق، السيطرة، التناقض في المعنى، التنفيس عن الطاقة الزائدة والرغبات الكامنة. ما زالت الفكاهة، باعتبارها ظاهرة إنسانية عامّة، مسألة تستقطب اهتمام مختلف الباحثين في العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة كافّة، وموضوعًا تتقاطع في دراسته حقول معرفية متعدّدة تحاول أن تستجلي جوانبها وتكشف عن ماهيّتها.  تهدف مجمل النظريات المطروحة في تفسير الفكاهة إلى فهم العوامل المؤثرة في إحداث الضحك لدى الإنسان.  كانت الفكاهة، علاوة على ذلك، من الموضوعات التي تمثّلتها مختلف الحضارات وثقافاتها عبر وسائل فنّيّة مختلفة، كان الأدب من أهمّها وأبرزها حضورًا. والأدب الفكاهي من المأثورات الهامة للحضارة العربيّة الإسلاميّة؛ فقد اهتمّ الأدب العربي القديم بالفكاهة، وحفظت لنا المدوّنة الادبيّة جملة من النصوص والأخبار والنوادر التي كان عمادها الأحداث والشخصيات والمواقف الفكاهية. أمّا في تاريخ الأدب العربي الحديث، فقد كان أدب الأطفال من أبرز الآداب الحديثة التي استوعبت الفكاهة بشتى أساليبها ومضامينها واستلهمت موادها لإنتاج نصوص أدبيّة تثير الضحك لدى الأطفال. باتت الفكاهة من الموضوعات التي أثارت اهتمام كُتَّاب الأدب الأطفال وأصبحت من الظواهر المألوفة في أدبيات الطفل.

نسعى في هذه المقالة إلى دراسة الفكاهة في أدب الأطفال العربيّ بالاعتماد على جملة من النصوص المتوفّرة لدينا، وسنحاول قراءتها من منظور الدراسة البينية مع تسليط الضوء على الجوانب التربوية والأدبية في هذه القصص على نحو خاص. سنبيّن من خلال هذه القراءة أهمية الفكاهة في أدب الأطفال، باستعراض وظائف مختلفة للفكاهة، مثل: الوظيفة الاجتماعية، الوظيفة الإدراكية والوظيفة النفسية.

وظيفة الفكاهة وأهميتها

يجمع الباحثون على أن الابتسامة تظهر لدى الأطفال قبل الضحك. وقد حصروا تأريخ حدوث تلك الابتسامة في المدة الواقعة ما بين الأسبوع الأول أو الثاني من حياة الطفل والشهر الثاني أو الثالث من عمره، بينما يكون زمن الضحكة الأولى للطفل بين ثلاثة أسابيع وستة اشهر من عمره أو اكثر. وتبدأ هذه الضحكة غالبًا عندما يكون بالقرب من والدته ومربيته على وجه الخصوص. يربط بعض الباحثين، من جهة أخرى، بداية الضحك مع فترة الرضاعة لأنّ الضحك يبدأ بابتسامة الطفل في هذه السن المبكرة، إذ تقترن الابتسامة مع شعوره بالراحة والشبع . يُمكننا القول إنّ الضحك والابتسامة لدى الطفل يرتبطان منذ البداية بالصور البصرية والمشاهد المرئية أكثر مما يرتبطان بالنشاط اللغوي والألفاظ المنطوقة لديه .

تجدر الإشارة إلى أنّ ثمَّة مواقف أخرى من شأنها أن تولّد لدى الطفل انفعال الضحك مثال المواقف التي يؤدّي فيها نوعًا جديدًا من النشاط كالوقوف على القدمين، وفقدان التوازن، وردَّة الفعل الضاحكة التي تكون تعبيرًا عن تأكيد الذات مع الشعور بالقوّة والتفوق، لأنّه استطاع، ولو لفترة وجيزة، القيام بعمل جديد. وثمة نوع آخر من الضحك نلمحه لدى الطفل في السنتين الأوليتين من عمره وهو الضحك المقترن بعملية الإغاظة أو المعاكسة؛ فعندما ينفّذ موقفًا مضحكًا أمام والديه متخذًا إيّاه شكلاً من أشكال اللعب التي تُشعره باللذة، ويؤكّد تفوقه وانتصاره على الكبار. على عتبة سنته الرّابعة، يتطوّر تفكير الطّفل المنطقي، ويستطيع القفز بين عالم الواقع والخيال، ويميّز بينهما. لذا نراه يضحك لأيّ موقف يخرج عن المألوف، و”يكسر المنطق”. سنعرض في السطور التالية موجزًا لوظائف الفكاهة الرئيسيّة الثلاثة وهي: الوظيفة الاجتماعية، الوظيفة الادراكية، الوظيفة النفسية.

الوظيفة الاجتماعية

يُمكننا أن نُعدّد للفكاهة ثلاث وظائف اجتماعية أساسيّة : أ. التصرف والانصياع حسب توجه الأكثرية الغالبة. ب. التمرد على القوانين الاجتماعية السائدة ج. تقوية العلاقة بين أفراد المجموعة الواحدة وإبراز تميّزها مقارنة مع مجموعات أخرى. تلعب الفكاهة، وفقًا لرأي الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون، دورًا اجتماعيا بارزًا، إذ لا وجود للفكاهة في حياة الإنسان إذا كان يعيش منعزلا ومفتقرًا لنظام المجتمعات؛ فالفكاهة، في جوهرها الأساسيّ، تحتاج إلى مرسل ومتلق. يؤكّد برغسون، إضافة إلى ذلك، أن لا مضحك إلا فيما هو إنساني أو ينتهج تصرفا أو سلوكا إنسانيًا  يتطلب من المرء تعطيل العاطفة، كي لا تتأثر، وترك العمل للعقل وحده . وتمثّل الفكاهة على المستوى الاجتماعي جهازًا تربويًا يؤدب من يشذّ بتصرّفه عن مبادئ المجتمع، ويكون عقابه ضحك المجتمع منه لردعه عن تصرفه غير السويّ.  من جهة أخرى، تلجأ مجموعات معينة من المجتمع من الانتقام ونقد طبقات أو مجموعات أخرى من خلال الاستعانة بالفكاهة نفسها.

الوظيفة الادراكية

لا بدّ من التنويه بأنّ فهم المضمون الفكاهي شرط أساسي للاستمتاع به، وارتباط فهم الفكاهة بمستوى التفكير يمكن تفسيره بأن هناك وظيفة إدراكية للفكاهة تتعلق بالتطور الفكري في كل مرحلة وأخرى يعيشها الطفل. يمكن تقسيم الوظائف التي تؤديها الفكاهة في المستوى الادراكي إلى وظائف ثلاثة: أ. تسهيل عملية التعلّم والفهم. ب. الفطنة (insight) ج. المتعة والابداع.

أ.  تسهيل عملية التعلّم والفهم: يتمّ الاستفادة من الفكاهة في عمليّة التعلّم والفهم من خلال التلاعب اللفظي أو التوريات اللفظية التي يوشّح بها الكاتب نصّه. ففي كثير من الحالات يتضمّن اللفظ الواحد معنيين مختلفين، يحفّزان الذهن على الانتقال في لحظة واحدة من معنى إلى آخر، الأمر الذي يثير الضحك لدى الطفل. مما يتداوله الأطفال، على سبيل المثال، الفكاهتين التاليتين المتعلقتين بالفهم الحرفي لبعض الكلمات:” في واحد راح يقطع شارع أخذ معاه مقص! في مرة ام جحا قالت له الحليب فار فار …فأخذ جحا عصا وركض ليضرب الفأر!”. نجد في مثل هذه الفكاهات تفوّق اللامعقول على المعقول، وغلبة الطفل على اللغة غلبة تدفعه إلى الضحك، لأنّه تمكّن منها وسيطر عليها. ويُمكننا في هذا السياق أن نورد مثالاً آخر لألاعيب وفكاهات لغوية، وهو ترديد سريع لعبارة تتضمن حروفًا متشابهة في عبارة واحدة، كعبارة “خيط حرير على حيط خليل”، أو: “شريف اشترى شرشف، وأشرف اشترى شرشف طلع شرشف شريف أكبر من شرشف أشرف بشرشفين ونصف شرشف.”

ب. الفطنة (insight): نقصد بهذا الاصطلاح أن يفكر الطفل تفكيرًا ناضجًا ويفاجئنا بهذا النضوج. ونمثّل لذلك بالمثال التالي: “أجرى أحد معلمي الصف السادس الابتدائي امتحانا في علم الأحياء لطلابه وكان الامتحان صعبًا؛ فقد أحضر المعلم صورًا لأقدام حيوانات وطلب منهم معرفة أسماء الحيوانات من خلال صور أقدامها. لكن لم يتمكن الطلاب من حل السؤال الصعب، غضب أحدهم وقام مستنكرًا بتقديم ورقة الامتحان للمعلم دون حل ودون اسم، وعندما وصل الطالب عند الباب ناداه المعلم زاجرًا: لماذا لم تكتب اسمك؟! فرفع الطالب بنطلونه حتى ركبتيه، وقال للمعلم وهو يشير إلى قدميه الصغيرتين: اعرف اسمي من رجليّ!!”.

ج. المتعة والإبداع: المتعة الناتجة عن فِعْل الفكاهة من الحاجات النفسيّة التي أكّدت عليها مختلف النظريّات التي عكفت على دراسة الفكاهة من الوجهة التربويّة والنفسانيّة، كونها الشعور الأول الذي يثيره اللاوعي. تجدر الإشارة إلى أنّ الفكاهة واللّذة يتحقّقان بمدى ملاءمة المادة الفكاهيّة للمستوى الإدراكي للمرحلة العمرية الموجّهة إليها. أما بالنسبة للإبداع فالمقصود به أن الطفل حينما يحاول تأليف كلمات أو جمل مضحكة، فإنه يعمد إلى الإبداع من أجل خلق مادة فكاهية يُضْحِك بها الآخرين، أو قد يضحكه موقف فكاهيّ يعيشه.

الوظيفة النفسية

بات من الواضح أنّ الفكاهة تمنح الانسان اللّذة وتخفف عنه الألم الذي تساهم القوانين المحيطة بالإنسان في تشكّله. يعتبر سيجموند فرويد، وفقًا لتأويلات نظريّة التحليل النفسيّ، أن الفكاهة والضحك وسيلة للتعبير عن حاجات جنسية مكبوتة في اللاوعي التي تمنع القوانين الاجتماعية والدينية الافصاح عنها، لذلك حينما نعبر عن هذه الحاجات المكبوتة نشعر باللذة الأمر الذي يمنحنا الشعور بالسعادة. الفكاهة، وفقًا لهذه النظريّة، وسيلة شرعية لتجاوز قوانين المجتمع والدين ولتفريغ الحاجات المكبوتة بعبارات ومضامين مشفرّة ومشحونة بتلميحات جنسيّة، وفي ذلك تلبية للرغبات الجنسية المكبوتة عند المرسل والمتلقي. كما أن الفكاهة توفّر فرصة للتعبير عن الغرائز العدائية التي لا يمكن التصريح عنها أو ممارستها في العلن بصورة مكشوفة. تستخدم الفكاهة، نتيجة لذلك كلّه، لتقوية الأنا وتعظيمها . بالإضافة إلى ذلك يعتبر الباحث أدير كوهن الفكاهة وسيلة لعلاج الطفل من المخاوف التي تسيطر على لا وعيه، وتؤدي إلى ضعف في شخصيته. من أجل منع ذلك يقترح كوهن، التخلص من المخاوف عن طريق إبعادها من الداخل، أي من اللاوعي، إلى الخارج أي تصورها خارج مشاعر الطفل لتبدو له على المستوى النفسي بعيدة عنه ولا علاقه له بها، ويمكن للطفل أن يقوم بذلك عبر الفكاهة. فعندما يضحك الطفل من المخيف كالأسد والكلب والذئب، وغيرها من العناصر المخيفة، فإنه ينتصر عليها في لا وعيه ويعزز في نفسه الإحساس بأنه انتصر عليها، ولم تعد تخيفه، بل يضحك منها مما يحرّره من سيطرة المخاوف على عقله الباطني ويخلّصه من الألم.

Print Share